إنتسب لحركة الشعب
أظهر البيان الموجز عن وضعية مصرف لبنان، في نهاية شباط الماضي، أن ودائع القطاع العام لديه بلغت نحو 10100 مليار ليرة، فيما أظهر تقرير جمعية المصارف في نهاية عام 2009 أن ودائع القطاع العام لدى المصارف التجارية المحلّية بلغت نحو 1590 مليار ليرة، وهذا يعني أن الدولة اللبنانية تمتلك الآن ودائع تبلغ 11700 مليار ليرة تقريباً، وتعادل قيمتها نحو 7.8 مليارات دولار، منها ما لا يقلّ عن 5.8 مليارات دولار في حساب الخزينة العائد لوزارة المال، والباقي يعود لحسابات الإدارات والمؤسسات العامّة المختلفة! تراكم معظم هذه الودائع الحكومية في ظل الأزمة التي عصفت بالاقتصاد العالمي منذ النصف الثاني من عام 2008، حيث عمدت السلطة النقدية إلى إبقاء أسعار الفائدة المحلية مرتفعة بالمقارنة مع المراكز المالية الخارجية الأساسية، وهو ما أسهم في جذب ودائع هائلة إلى لبنان، بما يفوق قدرة الاقتصاد اللبناني والمصارف المحلّية على استيعابها وإدارتها وإعادة توظيفها. فقد وصلت القيمة الإجمالية للودائع في المصارف التجارية في نهاية عام 2009 إلى نحو 145957 مليار ليرة (96,8 مليار دولار)، أي ما يوازي 350% من مجمل الناتج المحلي، وهذا يعدّ من أكثر المؤشّرات سلبية، ويكشف عن حجم الكلفة الباهظة التي يتكبّدها المقيمون من جرّاء ربط السياسات المالية والنقدية لمستوى معيشتهم بأولوية شبه وحيدة تقضي بخدمة هذه الودائع عبر أدوات الدين العام والقدرة على تسديد الفوائد عليها، وهي بلغت في موازنة العام الماضي أكثر من 4 مليارات دولار. لقد ارتفعت الودائع لدى المصارف المحلية أكثر من 22 مليار دولار منذ سقوط بنك «ليمان براذرز». وترافق ذلك مع تحويلات، بمبالغ مهمّة، من الدولار إلى الليرة للاستفادة، مرّة أخرى، من فارق أسعار الفائدة بين العملتين في، فانخفض معدّل دولرة الودائع من 69,6% في نهاية 2008 إلى 64,5% في نهاية 2009... وهذا ما جعل البعض شديد الإعجاب بنفسه، معتبراً أن تجربته تجسّد مثالاً يحتذى في العالم كلّه، فذهب إلى وضع المزيد من الحوافز لكي تواصل المصارف اجتذاب الودائع، ولكي تستمر عمليات التحويل من الدولار إلى الليرة، بمعزل عن أي هدف جدّي وملموس، سوى مراكمة موجودات بالعملات الأجنبية لدى المصرف المركزي بلغت 29.5 مليار دولار في نهاية شباط الماضي. صافي الاقتراض الحكومي بلغ أكثر من 13000 مليار ليرة في العام الماضي ترتّبت على ذلك كلفة باهظة جدّاً، لا تزال تتعاظم يوماً بعد يوم، إذ إن أحد أبرز الحوافز تمثّل بالتعهّد للمصارف بالعمل على امتصاص فائض السيولة لديها، عبر إصدار شهادات الإيداع من قبل مصرف لبنان وإصدار سندات الخزينة من قبل وزارة المال، بفوائد تراوحت في الأدوات الأولى بين 7 و9%، وتراوحت في الأدوات الثانية بين 4 و8%، وذلك تبعاً لآجال الاستحقاق. وهذه الفوائد مثّلت صفقة مربحة جدّاً للقطاع المصرفي، الذي جنى أرباحاً في العام الماضي أكثر من 1200 مليار دولار، منها 733 مليون دولار للمصارف الثلاثة الأكبر في لبنان. وبحسب المعلومات الموثوقة، تولّى مصرف لبنان امتصاص أكثر من 10 مليارات دولار من فائض سيولة المصارف، عبر إصدار شهادات الإيداع، متكبّداً خسائر متراكمة في ميزانيته بسبب الإصرار على منح المصارف مردوداً مرتفعاً يتجاوز الكلفة التي تدفعها لجذب الودائع بالدولار من الخارج، كما يعوّض لها الكلفة الإضافية التي تسددها لتحويل جزء من هذه الودائع إلى الليرة، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى توجيه تأنيب قاس لحاكمية المصرف المركزي، متّهماً إياها بتشويه سعر الفائدة الذي كان يجب أن يتراجع بمعدّلات أكبر وبوتيرة أسرع مما حصل في لبنان. اضطر المصرف المركزي إلى تعليق إصدار شهادات الإيداع لشهور عدّة في النصف الثاني من العام الماضي، قبل أن يعاود هذه الإصدارات في أواخر تشرين الثاني، وهذا ما أجبر وزارة المال على تكثيف إصداراتها من سندات الخزينة للقيام بالوظيفة النقدية نيابة عن المصرف المركزي، ما أدّى إلى تراكم فائض في حساب الخزينة بلغ حتى نهاية عام 2009 نحو 8700 مليار ليرة، تقدّر كلفتها على الموازنة العامّة بأكثر من 600 مليار ليرة، أي إن كلفة امتصاص السيولة من المصارف بلغت نحو 1200 مليون دولار. هذا التوزيع للخسائر بين ميزانية مصرف لبنان ووزارة المال كان مرهقاً للطرفين معاً، ولكنه كان مرهقاً أكثر للمواطنين المقيمين، الذين اضطروا إلى تسديد نحو 1000 مليار ليرة رسوماً على البنزين، ونحو 3000 مليار ليرة ضريبة على القيمة المضافة، ونحو 2000 مليار رسوماً على الاتصالات، وهي مبالغ ذهبت كلّها لخدمة الدين العام المتعاظم. الأولويات المقلوبة للسلطتين النقدية والمالية، دفعت فريق الرئيس سعد الحريري إلى طرح زيادات ضريبية توفّر إيرادات إضافية للموازنة بقيمة 2000 مليار ليرة، بذريعة أن النفقات العامة سترتفع بقيمة 3000 مليار ليرة عن العام الماضي... ولكنّ محاولات إقناع الكتل النيابية الأساسية (التي كانت في المعارضة سابقاً) بإمرار هذه الزيادات قبل طرح مشروع موازنة عام 2010 على النقاش العلني، لم تلحظ إطلاقاً وجود ودائع متراكمة للدولة، وفائض قياسي في حساب الخزينة يمثّل وجوده مخالفة واضحة للإجازة الممنوحة للحكومة بالاقتراض في حدود العجز المالي فقط، وهو بلغ في العام الماضي 4462 مليار ليرة، فيما صافي الاقتراض الحكومي بلغ أكثر من 13000 مليار ليرة، وهو ما أدّى إلى زيادة الدين العام اصطناعياً. عندما كشفت «الأخبار» عن وجود هذا الفائض الهائل في حساب الخزينة، الذي يغطّي كل العجز المتوقّع في العام الجاري من دون الاضطرار إلى اتخاذ أي إجراء ضريبي يؤذي فئات الدخل المتوسط والمنخفض، ويضع عشرات آلاف الأسر من الطبقة الوسطى تحت خط الفقر... كانت هذه المعلومات بمثابة صدمة للكثيرين ممن كانوا يجهلون ما يحصل بين وزارة المال ومصرف لبنان، فسارعت وزير المال ريا الحسن إلى إبلاغ مصرف لبنان تعليق إصدار سندات الخزينة لفترة من الزمن، ريثما تمرّر الموازنة، وهذا القرار أثار حفيظة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ما دفع الوزيرة الحسن إلى إبلاغ سلامة أنها ستعاود إصدارات سندات الخزينة اعتباراً من الشهر المقبل.
تعليقات القراء